فخر الدين الرازي

289

المطالب العالية من العلم الإلهي

المسافة التي تحصل فيها الحركة ، عبارة عن أجزاء متلاصقة متتالية ، وكل واحد منها لا يقبل القسمة . وهذا هو القول بوجود الجزء الذي لا يتجزأ . وهو عندنا باطل للدلائل الكثيرة المذكورة في تلك المسألة . ومن الدلائل اللائقة بهذا الموضع : أن نقول : إذا تلاصق جوهران ، وكان جوهر ثالث مماسا لأحدهما . فإذا أراد أن ينتقل منه إلى الجوهر الثاني ، فإما أن يصدق عليه كونه متحركا ، حال ما كان مماسا لتمام الجوهر ، [ الأول « 1 » ] أو حال ما صار مماسا لتمام الجوهر الثاني ، أو لا يصدق عليه كونه متحركا ، إلا فيما بين الحالتين المذكورتين . والأول باطل . لأنه ما دام بقي مماسا للجوهر الأول . فهو بعد لم يتحرك . والثاني باطل . لأنه إذا صار مماسا لتمام الجوهر الثاني ، فقد تمت الحركة وانتهت وانقطعت . فلم يبق إلا أن يقال : إنه إنما يصدق عليه كونه متحركا في حال متوسطة بين الحالتين المذكورتين . وعلى هذا التقدير ، فإنه يمتنع أن يقال : الحركة عبارة عن الحصول الأول في الحيز الثاني ، بل يجب أن تكون الحركة عبارة عن الانتقال من الحيز الأول إلى الحيز الثاني . وبتقدير أن يكون الأمر كذلك ، فحينئذ يكون السكون عبارة عن عدم الانتقال من حيز إلى حيز ، وعلى هذا الفرض لا يتم دليلكم على كون السكون صفة موجودة . والجواب : إن الدليل على أن الحركة عبارة عن الحصولات المتعاقبة في أحياز متلاصقة : وجوه : الأول : إن الحصول في الحيز الأول لما عدم ، ففي الآن « 2 » الذي هو أول زمان ذلك العدم ، لا بد وأن يكون الجسم قد حصل في حيز آخر ، لأن بقاء الجسم من غير أن يكون حاصلا في شيء من الأحياز : محال . وعلى هذا التقدير فإنه يكون حصول الجسم في هذا الحيز الثاني [ حاصلا « 3 » ] عقيب حصوله في الحيز الأول . وحينئذ تكون الحركة : عبارة عن حصولات متعاقبة في أحياز متلاصقة .

--> ( 1 ) من ( س ) ( 2 ) الحال ( ط ) ( 3 ) من ( ت )